يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
262
أشعار الشعراء الستة الجاهليين
والمعلقة نفسها خير ردّ على هذا الرأي فهي صورة لحياة جاهلية لا شك فيها وتمثّل حياة عمرو نفسه تمام التمثيل ، والشخصية الفنية في المعلقة شبيهة تمام الشبه بالآثار الفنية القليلة التي ثبتت صحتها لعمرو مما ورد في الحماسة وسواها . وبعد فنستطيع أخيرا أن نقول إن أميّة نظم مجمهرته متأثّرا فيها بعمرو ومعلقته . وأنه قلّد عمرا تقليدا فنيّا واضحا لا لبس فيه ، والتقليد الفني ليس ببعيد على الشعر الجاهلي ولا بغريب فيه ، وكما قلّد الشعراء المحدثون من تقدّمهم من أئمة الشعر العربي فقد كان الشاعر الجاهلي يقلّد من سبقه من الشعراء . الطبع والصّنعة في الشعر الجاهلي بيّن القدامى والمحدثين من النقّاد خلاف كبير في تحديد معنى الطبع والصّنعة ؛ يرى الأوّلون أن التهذيب الفني للأسلوب هو الصنعة ، فالمصنوع هو المثقف المهذب من الشعر ، أما الطبع فهو خلوّ الأثر الأدبي من آثار التجويد والتنقيح ، ويرى الآخرون أن شعور الشاعر بنفسه حدّ بين الطبع والصنعة ، فإذا كان الشعر صادقا مؤثّرا فهو من شعر الطبع ، وإلا فهو مصنوع متكلّف ، والأديب المطبوع عندهم من كان غير مقلّد في معناه أو في لفظه ، وكان صاحب موهبة في نفسه وعقله لا في لسانه فقط . ورأى المحدثين المعاصرين من النقّاد اصطلاح جديد في معنى الطبع والصّنعة . وأرى أن الأولى في تحديد معناهما أن نجمع بين الرأيين الذين يتلاقيان ولا يتناقضان . فالطبع هو الملكة القادرة في نفس الشاعر والأديب التي توحى إليه بفنّه وأدبه وحي الفطرة والطبيعة واستجابة لعواطفه ومشاعره ، دون تكلّف وتعب في الصّوغ أو استجداء لترف الأسلوب والصناعة . أما الصنعة فهي إحساس الشاعر أو الأديب بآثار الجمال الفنّي وترف الأداء وزخرف الأسلوب . وحبّه لهذا الجمال والتّرف والزخرف ، وهيامه الفنّي بها ، وقصده إليها ، وتعمّده لها في شعره حتى ليطلب الفن للفن ، ويستلهم الجمال للجمال ، ويستوحي الشعر من ملكاته الفنية التي استبدّت بها هذه النزعة ، مما يطغى على نفس الشاعر وشعوره وعواطفه وإحساسه بالحياة . ويجمع جمهور النقّاد في القديم والحديث على عيب الصنعة والتصنيع ، وسمّوا المصنّعين من الشعراء في العصر الجاهلي عبيد الشعر ، وعابوا شعرهم ، قال الأصمعي الأديب الراوية الناقد 216 ه : زهير والنابغة وأشباههما عبيد الشعر ؛ وقال : الحطيئة - وهو شاعر إسلامي مشهور - عبد لشعره ، قال الجاحظ إمام الأدباء والنقّاد م 255 ه :